الشوكاني

452

فتح القدير

التاء مع كسرهما ( أو تهوى به الريح ) أي تقذفه وترمى به ( في مكان سحيق ) أي بعيد ، يقال سحق يسحق سحقا فهو سحيق إذا بعد . قال الزجاج : أعلم الله أن بعد من أشرك به من الحق كبعد ما خر من السماء ، فتذهب به الطير أو هوت به الريح في مكان بعيد ( ذلك ومن يعظم شعائر الله ) الكلام في هذه الإشارة قد تقدم قريبا والشعائر جمع الشعيرة ، وهى كل شئ فيه لله تعالى شعار ، ومنه شعار القوم في الحرب ، وهو علامتهم التي يتعارفون بها ، ومنه إشعار البدن ، وهو الطعن في جانبها الأيمن ، فشعائر الله أعلام دينه ، وتدخل الهدايا في الحج دخولا أوليا ، والضمير في قوله ( فإنها من تقوى القلوب ) راجع إلى الشعائر بتقدير مضاف محذوف : أي فإن تعظيمها من تقوى القلوب : أي من أفعال القلوب التي هي من التقوى ، فإن هذا التعظيم ناشئ من التقوى ( لكم فيها منافع ) أي في الشعائر على العموم ، أو على الخصوص ، وهى البدن كما يدل عليه السياق . ومن منافعها الركوب والدر والنسل والصوف وغير ذلك ( إلى أجل مسمى ) وهو وقت نحرها ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) أي حيث يحل نحرها ، والمعنى : أنها تنتهي إلى البيت وما يليه من الحرم ، فمنافعهم الدنيوية المستفادة منها مستمرة إلى وقت نحرها ، ثم تكون منافعها بعد ذلك دينية . وقيل إن محلها هاهنا مأخوذ من إحلال الحرام ، والمعنى : أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعي تنتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت ، فالبيت على هذا مراد بنفسه ( ولكل أمة جعلنا منسكا ) المنسك هاهنا المصدر من نسك ينسك إذا ذبح القربان ، والذبيحة نسيكة ، وجمعها نسك . وقال الأزهري : إن المراد بالمنسك في الآية موضع النحر ، ويقال منسك بكسر السين وفتحها لغتان قرأ بالكسر الكوفيون إلا عاصما وقرأ الباقون بالفتح . وقرأ الفراء : المنسك في كلام العرب : الموضع المعتاد في خير أو شر ، وقال ابن عرفة ( ولكل أمة جعلنا منسكا ) أي مذهبا من طاعة الله . وروى عن الفراء أن المنسك العيد ، وقيل الحج ، والأول أولى لقوله ( ليذكروا اسم الله ) إلى آخره ، والأمة : الجماعة المجتمعة على مذهب واحد ، والمعنى : وجعلنا لكل أهل دين من الأديان ذبحا يذبحونه ودما يريقونه ، أو متعبدا أو طاعة أو عيدا أو حجا يحجونه ، ليذكروا اسم الله وحده ويجعلوا نسكهم خاصا به ( على ما رزقناهم من بهيمة الأنعام ) أي على ذبح ما رزقهم منها ، وفيه إشارة إلى أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها ، وفى الآية دليل على أن المقصود من الذبح المذكور هو ذكر اسم الله عليه . ثم أخبرهم سبحانه بتفرده بالإلهية وأنه لا شريك له ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، ثم أمرهم بالإسلام له ، والانقياد لطاعته وعبادته ، وتقديم الجار والمجرور على الفعل للقصر ، والفاء هنا كالفاء التي قبلها ، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يبشر ( المخبتين ) من عباده : أي المتواضعين الخاشعين المخلصين ، وهو مأخوذ من الخبيت ، وهو المنخفض من الأرض ، والمعنى : بشرهم يا محمد بما أعد الله لهم من جزيل ثوابه وجليل عطائه . وقيل إن المخبتين هم الذين لا يظلمون غيرهم وإذا ظلمهم غيرهم لم ينتصروا ، ثم وصف سبحانه هؤلاء المخبتين بقوله ( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) أي خافت وحذرت مخالفته ، وحصول الوجل منهم عند الذكر له سبحانه دليل على كمال يقينهم وقوة إيمانهم ، ووصفهم بالصبر ( على ما أصابهم ) من البلايا والمحن في طاعة الله ثم وصفهم بإقامة ( الصلاة ) أي الإتيان بها في أوقاتها على وجه الكمال . قرأ الجمهور : والمقيمي الصلاة بالجر على ما هو الظاهر ، وقرأ أبو عمرو بالنصب على توهم بقاء النون ، وأنشد سيبويه على ذلك قول الشاعر : * الحافظ عورة العشيرة * البيت بنصب عورة . وقيل لم يقرأ بهذه القراءة أبو عمرو ، وقرأ ابن محيصن " والمقيمين " بإثبات النون على الأصل ، ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود ، ثم وصفهم سبحانه بقوله ( ومما